بقلم: هيئة التحرير | Gaza48
يواجه قطاع غزة أزمة إنسانية مركبة تتجاوز حدود الإصابات المباشرة الناتجة عن العمليات العسكرية، لتطال جوهر البنية التحتية الصحية التي باتت تعمل بالحد الأدنى من قدراتها. وفي ظل النقص الحاد في الوقود والمستلزمات الطبية الأساسية، يبرز خطر “الموت الصامت” الذي يهدد آلاف المرضى من ذوي الحالات المزمنة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات طبية وإنسانية عاجلة.
انهيار الخدمات الطبية الأساسية
تشير التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية، بما فيها منظمة الصحة العالمية، إلى خروج نسبة كبيرة من مستشفيات القطاع ومراكز الرعاية الأولية عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي. لا يعود هذا التوقف إلى الأضرار الهيكلية فحسب، بل يرتبط بشكل عضوي بنفاد مخزونات الوقود اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية، التي تعتبر الشريان الوحيد لأقسام العناية المركزة وحاضنات الأطفال الخدج.
ويعاني الطاقم الطبي، الذي يعمل تحت ضغط هائل وساعات عمل متواصلة، من استنزاف غير مسبوق في الموارد البشرية واللوجستية، مما يضطر الأطباء في كثير من الأحيان إلى اتخاذ قرارات صعبة حول أولويات العلاج بناءً على فرص النجاة، وهو ما يعكس عمق الكارثة الأخلاقية والإنسانية المفروضة على الواقع الطبي.
أزمة الأمراض المزمنة: معاناة خلف الكواليس
وبعيداً عن عدسات الكاميرات التي توثق الأحداث الميدانية، هناك فئة واسعة من السكان تواجه خطراً حقيقياً بعيداً عن الأنظار. يُقدر عدد مرضى السرطان، الفشل الكلوي، السكري، وأمراض القلب بعشرات الآلاف، وهؤلاء يعتمدون على برامج علاجية دورية لا تحتمل الانقطاع.
- مرضى الفشل الكلوي: تتطلب عمليات غسيل الكلى (الديلزة) توفراً مستمراً للكهرباء والمياه المعقمة والفلاتر الطبية، وهي عناصر باتت “عملة نادرة” في ظل الظروف الراهنة، مما قلص عدد جلسات الغسيل للمريض الواحد وزاد من خطر حدوث مضاعفات قاتلة.
- مرضى السرطان: مع توقف التحويلات الطبية للخارج وصعوبة إدخال الأدوية الكيماوية والهرمونية، يواجه هؤلاء المرضى تراجعاً سريعاً في حالتهم الصحية، مما يحول الأمراض القابلة للإدارة الطبية إلى أحكام حتمية بالوفاة.
تحديات الصحة العامة والأوبئة
لا يقتصر التهديد الصحي على توقف المستشفيات، بل يمتد ليشمل الصحة العامة والبيئة. يؤدي تكدس النازحين في مراكز الإيواء المكتظة، بالتزامن مع شح المياه النظيفة وتضرر شبكات الصرف الصحي، إلى خلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض المعدية والجلدية.
“تحذر التقارير الطبية من أن تفشي الأوبئة قد يكون الموجة الثانية والأكثر فتكاً من الأزمة الإنسانية إذا لم يتم تدارك الوضع بإدخال مساعدات صحية وقائية ومطهرات بشكل عاجل.”
الحاجة إلى ممرات إنسانية طبية مستدامة
إن الواقع الميداني يؤكد أن المساعدات المتقطعة لا تكفي لترميم ما تصدع في جدار المنظومة الصحية. تتطلب الاستجابة الفعالة تفعيل آليات دولية تضمن تدفقاً مستداماً للوقود والأدوية، بالإضافة إلى إيجاد حلول سريعة لإجلاء الحالات الحرجة التي لا يتوفر لها علاج محلياً.
إن الحق في الصحة والعلاج هو حق أساسي تكفله القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، ويستوجب تحييد المرافق الطبية عن أي تجاذبات سياسية أو عسكرية، لضمان استمرارها في تقديم خدماتها المنقذة للحياة للمدنيين العزّل.



